ابن العربي

981

أحكام القرآن

غنمه وبما صار إليه ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : يا ويح ثعلبة - ثلاث مرات ، فنزلت « 1 » : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها . ونزلت فرائض الصدقة ، فبعث النبىّ صلى اللّه عليه وسلم رجلين على الصدقة : رجل من جهينة ، وآخر من بنى سليم ، وأمرهما أن يمرّا بثعلبة وبرجل آخر من بنى سليم ، يأخذان منهما صدقاتهما ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فقال : ما هذه إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدرى ما هذا ؟ انطلقا حتى تفرغا وعودا . وسمع بهما السلمى ، فعمد إلى خيار إبله ، فعزلها للصدقة ، ثم استقبلهما بها ، فلما رأوها قالوا : ما يجب عليك هذا ، وما نريد أن نأخذ منك هذا . قال : بل فخذوه ، فإنّ نفسي بذلك طيبة ، فأخذوها منه ، فلما فرغا من صدقاتهما رجعا حتى مرّا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما - وكان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كتب لهما كتابا في حدود الصدقة ، وما يأخذان من الناس - فأعطياه الكتاب ، فنظر إليه ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية ، فانطلقا عنّى حتى أرى رأيي . فأتيا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلما رآهما قال : يا ويح ثعلبة - قبل أن يكلّمهما ، ودعا للسلمى بالبركة ، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة ، والذي صنع السّلمى ؛ فأنزل اللّه : وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ . . . الآية ؛ وعند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل من أقارب ثعلبة ، فخرج حتى أتاه ، فقال : ويحك يا ثعلبة ! قد أنزل اللّه فيك كذا وكذا ، فخرج حتى أتى النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فسأل أن يقبل صدقته منه ، فقال : إنّ اللّه منعني أن أقبل منك صدقتك ، فقام يحثو التراب على رأسه ؛ فقال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : قد أمرتك فلم تطعني ، فرجع ثعلبة إلى منزله ، وقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يقبض منه شيئا ، ثم أتى إلى أبى بكر فلم يقبض منه شيئا ، ثم إلى عمر بعد أبي بكر ، فلم يقبض منه شيئا ، ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئا ، وتوفى في خلافة عثمان رضى اللّه عنه . وهذا الحديث مشهور « 2 » .

--> ( 1 ) سورة التوبة ، آية 103 . ( 2 ) في القرطبي ( 8 - 210 ) : قلت : وثعلبة بدري أنصارى وممن شهد اللّه له ورسوله بالإيمان حسب ما يأتي بيانه ، فما روى عنه غير صحيح . قال أبو عمر : ولعل قول من قال في ثعلبة إنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح . واللّه أعلم .